أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

197

عجائب المقدور في نوائب تيمور

وأرسلوا عليه من ذلك السماء المدرار ، وهو لا يرد عما هو بصدده ولا يلتفت إلى حينه ، ويتلقى ما يصدر من مراسيم نبالهم وأحجارهم بالقبول على رأسه وعينه ، ولم يزل على المكافحة والمناضحة ، والمكاشحة والمكالحة ، حتى تعالى النهار ، وعض الكون من فعاله أنملة التعجب ، وأخذ عين المكان الانبهار ، وكان المحاصرون لها كفوا عن القتال ، وتيمور قد عزم كما ذكر على الترحال ، وكان سرادقه منصوبا بمكان عال ، فناداه لسان الفتح ، وخاطبه منادي النجح شعر : لا تيأس من مطلب * قطع الورى أسبابه إن أغلقوا أبوابهم * فاللّه يفتح بابه فتراآى على باب القلعة من بعد كأن ناسا يتواثبون ، وأشباح طائفة يتكالبون ويتضاربون ، فقال لقبيله أي أولي النجدة والعون : إني أرى ما لا ترون ، فانعموا معي النظر ، ثم أسرعوا نحو المعتكر ، واتوني بحقيقة الخبر ، فاندفعوا يستشرفون لذلك خبرا ، ويستكشفون لسرائره سترا ، وهم ما بين عاد من النمر أعدى ، وجار من الأسد أجرى ، وكل منهم في عدوه وعداوته تأبط شرا ، ولما نزلوا يتجاورون على ذلك أرسالا وتترى ، كأنهم الشياطين نهاض ووثاب وعداء وهلم جرا ، حتى أدركت مقدمتهم بير محمد ، وهو في غمرات الموت بناره يتوقد ، وقد صار لسهامهم غرضا ، وكاد جوهره أن يصير عرضا ، فلما رآهم من بعيد عاش ، وحصل له الانتعاش ، وزال عنه الارتعاش ، وتلاحقت بهم الصناديد ، فكعت عنهم تلك الأفسال الرعاديد ، وحين عجزوا عن رفع الجسر وولوا الأعقاب ، عزموا أن يدخلوا الحصن ، ويوصدوا الباب ، فاختلط بير محمد معهم ، ودخل الحصن ومن إيصاده منعهم ، فدقوه بالسيوف ، ورضوه بأحجار الحتوف ، وهو يأبى إلا المدافعة ، ويجتهد في مراجعة الممانعة ، لا يشعر بما يناله من رض الحجر وجراح الحديد ، كأنه متأله عراه الفناء في الغناء في التوحيد ، إلى أن غشيتهم تلك الليوث ،